الشنقيطي
220
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
ومما يشهد لقوله رحمه اللّه في معنى القرض الحسن قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ [ البقرة : 264 ] . لأن ذلك لم ينفق بإخلاص لوجه اللّه ، ومجيء الحسن على القرض الحسن هنا بعد قضية الزوجية والأولاد وتوقي الشح يشعر بأن الإنفاق على الأولاد والزوجة إنما هو من باب القرض الحسن مع اللّه ، كما في قوله تعالى : يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ [ البقرة : 215 ] . وأقرب الأقربين بعد الوالدين هم الأولاد والزوجة . وفي الحديث في الحث على الإنفاق « حتى اللقمة يضعها الرجل في فيّ امرأته » « 1 » . وقوله : وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ . قال الشيخ رحمة اللّه تعالى علينا وعليه شكر اللّه لعبده هو مجازاته له بالأجر الجزيل على العمل القليل . وقوله : حَلِيمٌ أي لا يعجل بالعقوبة بل يستر ويتجاوز عن ذنوب . ومجيء هذا التذييل هنا يشعر بالتوجيه في بعض نواحي إصلاح الأسرة ، وهو أن يقبل كل من الزوجين عمل الآخر بشكر ، ويقابل كل إساءة بحلم ليتم معنى حسن العشرة ، ولأن الإنفاق يستحق المقابلة بالشكر والعداوة تقابل بالحلم . قوله تعالى : عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [ 18 ] . مجيء الآية بالجملة الاسمية يشعر بالحصر ، وقد صرح به في قوله تعالى : وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ [ الأنعام : 59 ] ، ومجيؤه هنا أيضا يشعر بأن الرقابة على الأسرة بين الطرفين إنما هي للّه تعالى ، لأنهما يكونان في عزلة عن الناس ولا يطلع على ما بينهما إلا اللّه ، عالم الغيب والشهادة ، أي فليراقب كل منهما ربه عالم الغيب والشهادة ، ومجازيا كلا منهما على فعله .
--> ( 1 ) أخرجه عن سعد بن أبي وقاص : البخاري في الوصايا حديث 2742 ، والنفقات حديث 5354 ، ومسلم في الوصية حديث 5 .